ابن قيم الجوزية
257
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
وسابعها : أنه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال ، فإن اللسان لا يمل والجوارح لا تتعب ، بخلاف ما إذا رفع صوته فإنه قد يكلّ لسانه وتضعف بعض قواه . وهذا نظير من يقرأ ويكرر رافعا صوته ، فإنه لا يطول له ذلك بخلاف من يخفض صوته . وثامنها : أن إخفاء الدعاء أبعد له من القواطع والمشوشات والمضعفات . فإن الداعي إذا أخفى دعاءه لم يدر به أحد فلا يحصل له هناك تشويش ولا غيره ، وإذا جهر به تفطنت له الأرواح الشريرة والباطولية الخبيثة من الجن والإنس ، فشوشت عليه ولا بد ، ومانعته وعارضته ولو لم يكن من ذلك إلا أن تعلقها به يفرق عليه همته فيضعف أثر الدعاء لكفى . ومن له تجربة يعرف هذا . فإذا أسر الدعاء وأخفاه أمن هذه المفسدة . وتاسعها : أن أعظم النعم هو الإقبال على اللّه ، والتعبد له ، والانقطاع إليه والتبتل إليه . ولكل نعمة حاسد على قدرها ، دقت أو جلت ، ولا نعمة أعظم من هذه النعمة . فأنفس الحاسدين المنقطعين متعلقة بها ، وليس للمحسود أسلم من إخفاء نعمته عن الحاسد وأن لا يقصد إظهارها له . وقد قال يعقوب ليوسف : لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ وكم من صاحب قلب وجمعية وحال مع اللّه قد تحدث بها وأخبر بها فسلبه إياها الأغيار ، فأصبح يقلب كفيه . ولهذا يوصي العارفون والشيوخ بحفظ السر مع اللّه وأن لا يطلعوا عليه أحدا ويتكتمون به غاية التكتم كما أنشد بعضهم في ذلك : من سارروه فأبدى السر مجتهدا * لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا وأبعدوه فلم يظفر بقربهم * وأبدلوه مكان الإنس إيحاشا لا يأمنون مذيعا بعض سرهم * حاشا ودادهم من ذلكم حاشا والقوم أعظم شيء كتمانا لأحوالهم مع اللّه وما وهب اللّه لهم من محبته والأنس به وجمعية القلب عليه ، ولا سيما للمبتدي والسالك . فإذا تمكن